في هذه الآيات
يأخذ في كشف المنهج الفاسد الذي يتخذونه للحكم على أكبر القضايا وأخطرها . قضية العقيدة:
(ما لهم به من علم ولا لآبائهم). .
فما أشنع وما أفظع أن يفضوا بهذا القول بغير علم , هكذا جزافا:
(كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا). .
وتشترك الألفاظ بنظمها في العبرة وجرسها في النطق في تفظيع هذه الكلمة التي يقولونها . فهو يبدأ بكلمة(كبرت)لتجبه السامع بالضخامة والفظاعة وتملأ الجو بهما . ويجعل الكلمة الكبيرة تمييزا لضميرها في الجملة: (كبرت كلمة)زيادة في توجيه الانتباه إليها . ويجعل هذه الكلمة تخرج من أفواههم خروجا كأنما تنطلق منها جزافا وتندفع منها اندفاعا (تخرج من أفواههم). وتشارك لفظة(أفواههم)بجرسها الخاص في تكبير هذه الكلمة وتفظيعها , فالناطق بها يفتح فاه في مقطعها الأول بما فيه من مد:(أفوا …)ثم تتوالى الهاءان فيمتلى ء الفم بهما قبل أن يطبق على الميم في نهاية اللفظة:(أفواههم). وبذلك يشترك نظم الجملة وجرس اللفظة في تصوير المعنى ورسم الظل . ويعقب على ذلك بالتوكيد عن طريق النفي والاستثناء: (إن يقولون إلا كذبا):ويختار للنفي كلمة:(إن)لا كلمة “ما” لأن في الأولى صرامة بالسكون الواضح , وفي لفظ “ما” شيء من الليونة بالمد . . وذلك لزيادة التشديد في الاستنكار , ولزيادة التوكيد لكذب هذه الكلمة الكبيرة . .
مواساة الرسول على ما يلاقيه من قومه والإبتلاء بالحياة الدنيا
وفيما يشبه الإنكار يخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم الذي كان يحزنه أن يكذب قومه بالقرآن ويعرضوا عن الهدى , ويذهبوا في الطريق الذي يعلم صلى الله عليه وسلم أنه مود بهم إلى الهلاك . . فيما يشبه الإنكار يقول للرسول عليه السلام:
(فلعلك باخع نفسك على آثارهم . إن لم يؤمنوا بهذا الحديث . أسفا)!
أي فلعلك قاتل نفسك أسفا وحزنا عليهم , إن لم يؤمنوا بهذا القرآن . وما يستحق هؤلاء أن تحزن عليهم وتأسف . فدعهم فقد جعلنا ما على الأرض من زخرف ومتاع , وأموال وأولاد . . جعلناه اختبارا وامتحانا لأهلها , ليتبين من يحسن منهم العمل في الدنيا , ويستحق نعمتها , كما يستحق نعيم الآخرة:
(إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا).
والله يعلم . ولكنه يجزي على ما يصدر من العباد فعلا , وما يتحقق منهم في الحياة عملا . ويسكت عمن لا يحسنون العمل فلا يذكرهم لأن مفهوم التعبير واضح .
ونهاية هذه الزينة محتومة . فستعود الأرض مجردة منها , وسيهلك كل ما عليها , فتصبح قبل يوم القيامة سطحا أجرد خشنا جديا:
(وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا). .
وفي التعبير صرامة , وفي المشهد الذي يرسمه كذلك . وكلمة(جرزا)تصور معنى الجدب بجرسها اللفظي . كما أن كلمة(صعيدا)ترسم مشهد الاستواء والصلادة !